محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
135
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
بعض المنافذ على معان ودلالات متعددة . ولكن الصرامة التقشفية للقراءة الألسنية أجبرتنا على ترك هذه المنافذ مباشرة بمجرد أن كنا قد فتحناها . ولهذا السبب ، فإنه يتعين علينا الآن أن نعود إلى العبارة أو المنطوقة ، أي إلى النصّ المعتبر هذه المرة كلّا ناجزا مكتملا . يقول الناقد جان ستاروبنسكي واصفا النصّ بأنه عبارة عن « مادة علائقية » تترك نفسها « تسكن من قبل القراءة . إنه - أي النصّ - يحرّض على احتفال الرغبة ؛ إنه انطلاقة صور ، وعمل إجباري للفكر والأحلام » « 1 » . ولكن هذا لا يعني أننا سوف نترك « أنا » القارئ تنتقم لنفسها بعد أن كنا قد لجمناها أو حجزناها بواسطة علم الألسنيات ومصطلحاته المتقشفة الصارمة . ف « العلاقة النقدية » « * » تظل عبارة عن تقشف صارم أيضا . إنها تأمر بالعودة النقدية المستمرة إلى العلاقات التي يعتقد القارئ أنه قادر على تعاطيها مع « الذاتية المحايثة أو الملازمة للعمل الأدبي أو الفكري » . وهذا يعني أنني ، هنا أيضا ، لن أستطيع تقديم أي مقترح ليست له قاعدة دقيقة في العبارة المنطوقة ( أو في النصّ ) . ولكن هناك شرطا أوليا منهجيا ينبغي أن يرفع أو يزال في حالة الفاتحة . نقصد بذلك ما يلي : هناك طريق طويل يتمثّل في استعادة جميع التفاسير أو القراءات السابقة التي أثارتها سورة الفاتحة . وهي كثيرة جدا في التراث التفسيري الإسلامي . والهدف من ذلك هو تحديد نقاط الخلاف والاتفاق الكائنة بينها وبين القراءة الحديثة ( أو بالأحرى إعادة القراءة ) . وهناك طريق قصير اختاره « علماء السيميائيات والدلالات » المعاصرون ، وهو يتمثّل في إعادة قراءة الكتابات المقدّسة من أجل البرهنة على الصلاحية المنهجية والخصوبة
--> ( 1 ) انظر جان ستاروبنسكي : « اعتبارات ( أو ملاحظات ) حول الحالة الراهنة للنقد الأدبي » : : J . Starobinski 81 . p ، 74 . No ، Diogene : in ، ( ( litteraire critique la de present letat sur Considerations ) ) . أما مصطلح « العلاقة النقدية » الذي نستخدمه هنا ، فعائد أيضا إلى المؤلّف نفسه . * العلاقة النقدية هو عنوان كتاب للناقة السويسري الكبير جان ستاروبنسكي : : Starobinski Jean 1970 ، Gallimard ، Paris ، critique relation . La يقول هذا الناقد محدّدا العلاقة النقدية التي تربط بين القارئ والعمل الأدبي : « عندما أقرأ نصّا ما ويثير فيّ مشاعر قوية ، فإني أشعر بالفرح والاستمتاع الشديد . وبعد أن تمر مرحلة الاهتزاز الأوّلي ، فإنّي أعود إلى النصّ لكي أعرف ما هو السبب الذي ولّد فيّ كل هذا الطرب والاهتزاز . وعندئذ ، وبدون أن ألغي مشاعري ، ينبغي أن أعامل النصّ كشيء من الأشياء لكي أستطيع أن أدرسه بشكل موضوعي . عندئذ ينبغي عليّ أن أنظر إليه في مادّيته اللغوية البحتة . فهو مؤلّف من حروف ، وكلمات ، وعبارات . وينبغي أن أدرس نسيجه اللغوي من الداخل وبشكل محايث أو لاصق به قدر الإمكان . وحتى الفاصلة والنقطة فيه لم توضع عبثا ، وإنما هي تساهم في تشكيل المعنى . فالكاتب الكبير لا يوظّف أي كلمة أو أي حرف جر إلّا من أجل خدمة المعنى وصياغته بطريقة جذابة ، ساحرة » ( الترجمة مني بتصرّف شديد ، ص 16 - 17 ) .